نخبة من الأكاديميين

893

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

المسلمون يتأملون في آيات القرآن والصفات التي يصف القرآن بها الله ، ونحن نعرف أن صورة الله في القرآن كما في التقليد التوراتي الإنجيلي هي صورة عن إله ، له سلطة شخصية ، وذات دلالة جبارة ، وغيورة ، وله علاقة مباشرة مع خلقه ، وكانت هذه الصورة منطلقاً أساسياً لفكرة الشريعة والقانون الإلهيين . والخطاب القرآني يستلزم تصوراً من هذا النوع عن الله ؛ ولذلك كان من الطبيعي أن تشكل ذهنية المسلمين في هذا العصر المبكر في الإسلام عن الله بهذه الصورة ؛ فالمناخ الديني في الإسلام ، وخاصة آيات القرآن الكريم كان يجرّ المتكلمين إلى قبول وجود صفات الله بالمعنى الحقيقي ، وأن الله هو ذات وصفات ، لكن وبتأثير من الفلسفات والأفكار اليونانية والدينية الأخرى الموجودة في بلاد الإسلام اتجهت بعض الأفكار نحو صورة تجريدية عن الله ، وفي ما نعلم فإن الجهم بن صفوان ( المتوفى سنة 128 ه - ) في خراسان من أوائل الذين ذهبوا إلى هذا الاتجاه ، التنزيهي لله ، فكان ينفي عن الله كل صفة تشبهه إلى خلقه ، حتى أنه نفى الشيئية عن الله ، وكان الجهم وأصحابه المعروفون بالجهمية ، يعتقدون بتوحيد تنزيهي مطلق ، ويرون أن علاقة الإنسان والمخلوقات بالله علاقة لا تحكمها علاقات شخصية وبشرية غير لائقة بالذات الإلهية . وبطبيعة الحال فقد كان لهذه الأفكار نتائج خطيرة جداً على صورة المسلمين عن دينهم وشريعتهم ، وعن كل ما تأسس حتى ذلك الوقت ، من سلطة دينية أو سياسية ؛ ولذلك حصلت ردات فعل تجاه هذه الأفكار من قبل الاتجاه العام الإسلامي ، كانت تتواصل في ما بعد بشدة . وكانت عقائد المسيحيين حول المسيح وكيفية تجسد الذات الإلهية وآيات القرآن حول ذلك تساعد في بلورة البحث عن صفات الله ، والبحث عن التنزيه والتشبيه بصورة جذرية ذات معنى ديني كبير . وفي مقابل الجهم بن صفوان كانت هناك مدرسة أخرى يمثلها مقاتل بن سليمان ( المتوفي سنة 150 ه - ) الذي كان يعتقد بالتشبيه وإعطاء صورة إنسانية لله ، وإن احتمل أنه كان يعتقد هذا المذهب بسبب رؤيته الخاصة إلى الله وعلاقة الله بالإنسان ، وتفسيره للشريعة ودورها في تكوين الشخصية الدينية للإنسان في العالم . وكان هشام بن الحكم ( المتوفى سنة 179 ه - ) وأحد تلامذة الإمام جعفر بن محمد الصادق ( ع ) فكان من الذين لعبوا دوراً بارزاً في تحول علم الكلام ، إما من جهة نظرته وعطائه الفكري في موضوعات كانت محط نظر المتكلمين مثل الجهم بن صفوان وسليمان بن حريز ( في القرن الثاني الهجري ) وغيرهما . ومنها نظرته حول ذات وصفات الله ، وكذا صفة العلم ، وأيضاً مسألة تعريف الجسم وماهيته . وإما من حيث تعرفه على التراث القديم ، كتراث الزنادقة والثنوية وأصحاب المذاهب المختلفة ، وأيضاً تعرفه وإن بصورة غير مباشرة على الفلسفة اليونانية . وكان لهشام مناظرات مع أصحاب المذاهب المختلفة وسائر المتكلمين ، وله صلة مع مجالس البحث العلمي للبرامكة ، وله تأثيرات على المعتزلة مثل أبي الهذيل العلاف وإبراهيم النظام . وكانت المباحث الكلامية حول إثبات الصانع وحدوث العالم تنطلق عند المتكلمين في محاولة لرد العقائد الثنوية والإلحادية للزنادقة والملحدين ، ولذلك اضطر المتكلمون ، وخاصة في البصرة ، وبعدها في